المقريزي
17
إمتاع الأسماع
ووصف من خديجة بعد وصف * فقد طال انتظاري يا خديجا ببطن المكتين ( 1 ) على رجائي ( 2 ) * حديثك أن ( 3 ) أرى منه خروجا بما خبرتنا ( 4 ) عن قول قس * من الرهبان أكره ( 5 ) أن يعوجا بأن محمدا سيسود فينا ( 6 ) * ويخصم من يكون له حجيجا ويظهر في البلاد ضياء نور ( 7 ) * يقيم به البرية أن تعوجا
--> ( 1 ) ثنى " مكة " ، وهي واحدة ، لأن لها بطاحا وظواهر ، وقد ذكرنا من أهل البطاح ، ومن أهل الظواهر ، على أن للعرب مذهبا في أشعارها في تثنية البقعة الواحدة ، وجمعها ، وإنما يقصد العرب في هذه الإشارة إلى جانبي كل بلدة ، أو الإشارة إلى أعلى البلدة وأسفلها ، فيجعلونها اثنين على هذا المغزى وأحسن ما تكون هذه التثنية إذا كانت في ذكر جنة أو بستان ، فتسميها جنتين في فصيح الكلام ، إشعارا بأن لها وجهين ، وأنك إذا دخلتها ونظرت إليها يمينا وشمالا رأيت من كلتا الناحيتين ما يملأ عينيك قوة ، وصدرك مسرة ، وفي التنزيل : ( لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور ) [ الآية 15 / سبأ ] ، فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشئ من سدر قليل ) [ الآية 16 / سبأ ] ، وفيه : ( جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا ) ( كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا ) [ الآيتان 32 ، 33 / الكهف ] ، ثم قال سبحانه : ( دخل جنته ) ، ثم قال : ( ولولا إذ دخلت جنتك ) ، ثم قال : ( فعسى ربي أن يؤتيني خيرا من جنتك ) [ من الآيتين 35 ، 39 ، 41 / الكهف ] ، فأفرد بعد ما ثني وهي هي ، وقد حمل العلماء على هذا المعنى قوله تعالى : ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) [ الآية 46 / الرحمن ] ، والقول في هذه الآية يتسع . ( الروض الأنف ) : 1 / 218 - 220 . ( 2 ) في ( خ ) : " على رجاء " ، وما أثبتناه من ( ابن هشام ) : 2 / 10 ، ( البداية والنهاية ) : 3 / 15 قوله : " حديثك أن أرى منه خروجا " ، فالهاء في " منه " راجعة على الحديث ، وحرف الجر متعلق بالخروج ، وإن كره النحويون ذلك ، لأن ما كان من صلة المصدر عندهم ، فلا يتقدم عليه ، لأن المصدر مقدر بأن والفعل ، فما يعمل فيه هو من صلة " أن " فلا يتقدم ، فمن أطلق القول في هذا الأصل ، ولم يخصص مصدرا من مصدر ، فقد أخطأ المفصل وتاه في تضلل ، ففي التنزيل : ( أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منه ) [ الآية : 2 / يونس ] ، ومعناه : أكان عجبا للناس أن أوحينا ، ولا بد للأم ها هنا أن تتعلق بعجب ، لأنها ليست في موضع صفة ، ولا موضع حال لعدم العامل فيها . ( المرجع السابق ) . ( 3 ) في ( خ ) : " لو أرى " ، وما أثبتناه من ( ابن هشام ) ، ( البداية والنهاية ) . ( 4 ) في ( خ ) : " بما خبرتني " ، وما أثبتناه من ( ابن هشام ) ، ( البداية والنهاية ) . ( 5 ) في ( خ ) : " يكره " ، وما أثبتناه من ( ابن هشام ) ، ( البداية والنهاية ) . ( 6 ) في ( خ ) ، ( البداية والنهاية ) : " سيسود قوما ، وما أثبتناه من ( ابن هشام ) . ( 7 ) هذا البيت يوضح لنا معنى النور الضياء ، وأن الضياء هو المنتشر عن النور ، وأن النور هو الأصل للضوء ، ومنه مبدؤه ، وعنه يصدر ، وفي التنزيل : ( فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم ) [ الآية 17 / البقرة ] ، وفيه : ( جعل الشمس ضياء والقمر نورا ) [ الآية 5 / يونس ] ، لأن نور القمر لا ينتشر عنه من الضياء ما ينتشر من الشمس ، ولا سيما طرفي الشهر ، وفي الصحيح : " الصلاة نور ، والصبر ضياء " ، وذلك أن الصلاة هي عمود الإسلام ، وهي ذكر وقرآن ، وهي تنهي عن الفحشاء والمنكر ، فالصبر عن المنكرات ، والصبر على الطاعات هو : الضياء الصادر عن هذا النور الذي هو القرآن والذكر ، وفي أسماء الباري سبحانه ( الله نور السماوات والأرض ) [ الآية 30 / النور ] ، ولا يجوز أن يكون الضياء من أسمائه سبحانه . ( الروض الأنف ) .